القتال يتجدد.. هل تُسقط الحرب مع تيغراي حكومة آبي أحمد؟


بعد خمسة أشهر من هُدنة فاصلة شهدتها إثيوبيا بين القوات الحكومية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، عاد الجميع إلى المربع صفر من جديد إثر معارك ضارية، شملت اشتباكات على الأرض وغارات جوية حكومية على الإقليم الذي يشهد منذ ما يقرب من عامين حربا طاحنة، كادت أن تسقط فيها الحكومة الإثيوبية بقيادة آبي أحمد، ومن ورائها العاصمة أديس أبابا. ففي نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي 2021، أوشكت العاصمة على الوقوع في أيدي تحالف من تسع حركات مسلحة بعدما وصلت قواته إلى تخوم العاصمة واستحوذت في طريقها على عدة مدن وبلدات إستراتيجية، قبل أن تستعيد الحكومة زمام الأمور مجددا خلال الأسابيع التالية. وبحلول مارس/آذار الماضي، أعلنت الحكومة هدنة مفاجئة لالتقاط الأنفاس فيما يبدو، وإعادة ترتيب صفوفها، لكن الهدنة قدَّمت فرصة للمتمردين أيضا لالتقاط الأنفاس، والعودة مجددا إلى ميادين القتال، ومواصلة ما بدأوه طيلة 21 شهرا من القتال.

 

بدأت الجولة الثانية التي انتهت بها الهدنة حين أعلن سلاح الجو الإثيوبي إسقاط طائرة دخلت المجال الجوي للبلاد قادمة من السودان حملت على متنها أسلحة لجبهة تيغراي. وقد اعتبرت أديس أبابا ذلك بمنزلة خرق لاتفاق وقف إطلاق النار والهدنة الإنسانية، مما يمنحها الحق في شن هجوم مفتوح على الإقليم، بعد الدعم العسكري الذي حصلت عليه الجبهة ممن وصفهم سلاح الجو الإثيوبي بالأعداء التاريخيين لبلاده، في إشارة ضمنية ربما إلى مصر والسودان. ورغم أن البلدين اللذين يجمعهما خلاف مع أديس أبابا لم يرُدَّا على الاتهامات، فإن المعارضة المسلحة نفت الرواية الرسمية وقالت إنهم توقعوا الهجوم الأخير مُسبقا، لأن الجيش الحكومي بدأ حشوده العسكرية قبل خمسة أيام من حادثة الطائرة. وفي هذه الأيام، يفرض الجيش طوقا عسكريا بطول عدة كيلومترات من جميع الجبهات على المنطقة الشمالية التي تسيطر عليها قوات جبهة تيغراي، ويحاول منعها من الوصول إلى موطئ قدم على الحدود السودانية، كما يحرص على ألا تتقدم من جديد في اتجاه العاصمة لمنع تكرار سيناريو ما قبل الهُدنة.

 

إثيوبيا القديمة وسقوط وعد التجديد

بدأت الحرب الحالية في خريف عام 2020، إثر خلافات جذرية بين إقليم تيغراي والحكومة الإثيوبية اشتعلت حين اعتمد البرلمان الإثيوبي خطة للإبقاء على آبي أحمد في الحُكم عبر تأجيل الانتخابات بذريعة جائحة كورونا. وقد احتجَّت رئيسة البرلمان التيغرانية على القرار واستقالت من منصبها، فيما اعتبر التيغرانيون الخطوة غير دستورية، وانتزاعا قسريا للسلطة، وتمهيدا لتشكيل دكتاتورية جديدة. وفي المقابل نظَّم الإقليم انتخاباته المنفردة بمشاركة مليونين و700 ألف ناخب، ورفضت الحكومة المركزية الاعتراف بها واعتبرتها غير قانونية، ومن ثمَّ ردَّت حكومة الإقليم بأنها لا تعترف أيضا بالحكومة المركزية بالنظر إلى أن ولاية آبي أحمد انتهت. وسرعان ما شهد الإقليم الساخط والمسلَّح بكثافة تعبئة واسعة ضد الجيش الإثيوبي، حين قرَّرت الحكومة المركزية وقف التحويلات المالية منها إلى إقليم تيغراي، وهو تصعيد عدَّه الإقليم إعلانا للحرب.

 

بالنسبة إلى الكثير من المتفائلين، مَثَّل صعود آبي أحمد إلى رئاسة الحكومة الإثيوبية عام 2018 نهاية عهد الاستبداد السياسي في إثيوبيا، وكسر هيمنة عِرقية “التيغراي” على السلطة التي بدأت مع الإطاحة بزعيم المجلس العسكري “منغستو هيلا مريام” عام 1991، حيث سيطر التيغرانيون على الحكم لقرابة ثلاثة عقود. ولكن بوصول آبي أحمد إلى السلطة، عمد الرجل وجماعته إلى عزل التيغرانيين دون ضجيج من المناصب العليا في الجيش وأجهزة المخابرات، كما اعتقلوا كبار المسؤولين منهم في المناصب السياسية تحت اسم محاربة الفساد، واستبدلوا بهم أبناء عِرقية الأورومو التي ينتمي إليها آبي أحمد. وقد رسمت تلك التحركات مسار الحرب الحالية وأهدافها السياسية، وهو ما أدركه الزعيم الشاب الذي أشعل نيران الحرب سريعا، لكنه عجز عن تقدير مدى شراسة مقاومة جبهة تيغراي، فضلا عن السيطرة على رقعة الحرب التي اتسعت نحو أقاليم مجاورة.

يدور الصراع في الأساس بين قوميات يرى كلٌّ منها نفسه الأجدر والأفضل لحكم البلاد، علاوة على الخلاف حيال سياسات أخرى اتخذها آبي أحمد أغضبت التيغراي وقوميات أخرى، وساعدت في ارتفاع حِدَّة التوتر، وجرِّ البلاد إلى الاقتتال الأهلي وانعدام الاستقرار طيلة العامين الماضيين، لا سيما بعد فترة نُظِر فيها إلى البلاد بوصفها أهم اقتصادات أفريقيا وقِبلة الاستقرار السياسي في محيطها المضطرب. ولذا، هرعت الحكومة الفيدرالية إلى استخدام سلاح الجو بصورة مكثفة أملا في إنهاء الصراع وتحقيق نصر سريع، كما زوَّدت قواتها البرية بالمدفعية الثقيلة والدبابات والصواريخ، غير أن مساعيها باءت بالخيبة حين أخرجت تيغراي كُل ما في جعبتها عسكريا. وفي أعقاب تلك التطورات، أصدرت الأمم المتحدة تقريرا رجَّحت فيه أن جميع أطراف الصراع ارتكبوا جرائم حرب، من بينها جرائم ضد الإنسانية.

 

لم يصل الصراع بعد إلى محطته الأخيرة، بل تعقَّدت آثاره الاجتماعية، إذ إن الحرب تركت الملايين في تيغراي على شفا المجاعة. وتُشير التقارير الدولية إلى أن ما يقرب من 40% من سكان المنطقة البالغ عددهم ستة ملايين يواجهون نقصا شديدا في الغذاء، وهو ما يُتَّهم فيه الجيش الإثيوبي الذي يمنع وصول المساعدات الإنسانية وفق الأمم المتحدة، مما تسبَّب في عملية نزوح واسعة إلى خارج الإقليم قُدِّرت بنحو مليون شخص، بحسب المنظمة الدولية للهجرة. أما في قلب المعركة، فقد مُني الجيش الإثيوبي بخسائر كبيرة في العتاد والمعدات، وفي المقابل تضخمت أعداد مقاتلي جبهة تيغراي نتيجة التجنيد الجماعي، كما خصصت الكثير من مواردها للتدريب وإعادة التسليح، واستولت على ترسانة ضخمة من الجيش الفيدرالي في قتال العام الماضي، في حين تشير تقارير إلى قيامها بشراء أسلحة جديدة من الخارج.

 

مسارات الحرب

يتركز القتال الدائر حاليا بين مسلحي الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وقوات الحكومة المركزية في المثلث الحدودي بين إقليم تيغراي وإقليم أمهرة المتحالف مع الحكومة، كما انتقل القتال أيضا إلى إقليم عفر إلى الجنوب من إقليم تيغراي. ويشن الجيش الإثيوبي هجمات مكثفة على أربعة محاور، فارضا بذلك حصارا خانقا وعُزلة شبه تامة على الإقليم، ويقول المتمردون إن الجيش الفيدرالي يستعين بقوات غير نظامية قادمة من ولاية أمهرة، إلى جانب الجيش الإريتري، وهو عدو قديم للجبهة منذ عقود. ويتهم قادة التمرُّد العاصمة الإريترية “أسمرة” بأنها فتحت أراضيها للجيش الإثيوبي أثناء الهدنة المنقضية لتنظيم صفوفه قبل العبور إلى إقليم تيغراي من الشمال.

 

بعد فشل المفاوضات والحشد العسكري المستمر من قِبَل طرفي الصراع في الأشهر الماضية، تبدو الأزمة الآن على أعتاب عدة سيناريوهات. أولها، أن يستمر تقدُّم قوات التيغراي صوب العاصمة، وتنضم إلى جيش تحرير الأورومو المتحالف معها، الذي سيطر من قبل على مدينة “كيمسي” على الطريق السريع المؤدي إلى أديس أبابا. وتجدر الإشارة إلى أن عِرقية الأورمو هي العِرقية التي ينحدر منها آبي أحمد، لكنَّ قطاعا منها انقلب عليه بسبب شعوره بالتهميش سياسيا واقتصاديا، رغم أن الأورومو هي أكبر جماعة عِرقية في إثيوبيا.

أما السيناريو الثاني فهو أن تحاول جبهة التيغراي كسر الحصار المضروب عليها، سواء من خلال التحرُّك عسكريا من الجبهة الشرقية عبر إقليم عفر، شريان الحياة الذي أوقع الإقليم في خطر المجاعة، وغزو المدينة التي يمر عبرها الطريق الرئيسي للتجارة وخط السكك الحديد الواصل إلى العاصمة. ومن بعدها يمكن الوصول إلى مدينة “ميل”، الواقعة على الطريق الرئيس بين جيبوتي وإريتريا وأديس أبابا، مما يعني خنق الحكومة اقتصاديا، وحرمانها من الإمدادات الضرورية. ويُعَدُّ ذلك التطور العسكري المُحتمل تهديدا مباشرا للاقتصاد الإثيوبي، مما دفع الحكومة الإثيوبية إلى استخدام سلاح الطائرات المُسيَّرة بكثافة لحماية اقتصادها وخطوط الإمداد الخاصة بها، إلى جانب ترسيخ التحالف مع الجيش الإريتري وميليشيات إقليم أمهرة.

 

تخشى الحكومة المركزية من نجاح مساعي التيغراي عسكريا في هذا الصدد، إذ إن السيطرة على عفر تمنحهم موقفا تفاوضيا قويا لربما تعجز أمامه أديس أبابا عن التمسُّك بموقفها وتضطر إلى تقديم تنازلات كثيرة. لكن ذلك الحُلم التيغراني يبدو صعب المنال لسببين، أولهما أن التيغراي فشلوا سابقا في إخضاع عفر، وثانيهما أنهم إذا نجحوا فسيصيرون صيدا ثمينا لسلاح الجو الإثيوبي، نظرا للطبيعة الجغرافية للإقليم، فهو أرض مفتوحة بلا سواتر أو جبال شاهقة على عكس إقليم التيغراي، مما يجعل المتمردين فعليا دون غطاء لو تعرَّضوا للقصف. وقد أشارت تقارير إلى أن أسهل خيار أمام جبهة التيغراي هو التوغل شمالا وصولا إلى نقاط التماس مع الحدود السودانية، ومن ثمَّ فتح ثغرة للحصول على المساعدات الغذائية والسلاح. بيد أن عواقب ذلك التصعيد العسكري لربما يودي بالمتمردين، الذين يُمكن محاصرتهم بسهولة في كماشة بين الجيشين الإثيوبي والإريتري بعيدا عن معقلهم في قلب إقليم التيغراي. أما آخر الخيارات فهو الاتجاه غربا، وخوض حرب أهلية طاحنة مع إقليم أمهرة المشحون بالعداوات القديمة مع الجبهة، لعل الجبهة تضرب بذلك عدة طيور بحجر واحد من حيث الحصول على المؤن، وتقويض أحد أعدائها المناصرين لحكومة أديس أبابا.

 

الطريق إلى طاولة المفاوضات

هدف آبي أحمد بتصعيده الأخير قبل عامين إلى قطع آخر نفوذ للجبهة التي حكمت إثيوبيا ثلاثة عقود، وتعزيز قبضته المركزية على السلطة لاستكمال مشروعه السياسي، لكن الحرب الدائرة تهدد حكومته الآن بالسقوط من السلطة، علاوة على شبح الانقسام والحرب الأهلية الشاملة الذي قد يبتلع المناطق الجنوبية المهمشة والتي طالما كانت خارج دائرة الأضواء والنفوذ السياسي. وفي الوقت الذي زعمت فيه الحكومة أن قواتها حققت انتصارا حاسما على جبهة التيغراي، وأن التقارير عن استمرار التمرُّد كاذبة، يبدو الوضع الآن كاشفا لهشاشة الدعايات التي بثَّتها أديس أبابا بعد انهيار الهدنة. في غضون ذلك، يترقَّب الإثيوبيون والمجتمع الدولي ما ستؤول إليه الأحداث بعد تجدُّد القتال وعودة سيناريو سقوط العاصمة إلى الطاولة.

 

ميدانيا، رغم أن الوضع على الأرض يؤكد أن التيغراي لا يزالون محاصرين وإن صمدوا في معاقلهم، فلا يمكن إغفال حقيقة استحالة تصفيتهم في الوقت الحالي وإنهاء سيطرتهم على الإقليم الإستراتيجي، لا سيما مع ترسانة سلاح ضخمة قدَّمت أداءً ندا للجيش الإثيوبي نفسه. ويعني ذلك أن قدرة آبي أحمد على حسم الحرب وتثبيت مشروعه السياسي داخل الدولة باتت أمرا مشكوكا فيه، فقد فشل الرجل في حسم الحرب طيلة عامين، علاوة على فشله أيضا في إخماد الاضطرابات في منطقة أوروميا التي ينحدر منها، وعجزه عن مجابهة الاحتجاجات في الأقاليم الأصغر بالشرق والشمال.

وجد رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” نفسه في خضم حرب أهلية لجأ فيها إلى أدوات القسر أكثر مما لجأ إلى التسوية والوساطة التي ذاع صيته بسببها (الأوروبية) 

 

في هذا السياق، أشارت مجلة “فورين بوليسي” الأميركية في عدد نوفمبر/تشرين الثاني الماضي إلى عدد من السيناريوهات الممكنة لإنهاء الصراع. إذا قرَّرت جبهة تحرير تيغراي الاستيلاء على العاصمة، فستفتح أبواب حرب جديدة ضد المعارضين لصعودها مرة أخرى في الأقاليم التي لم تسقط بعد، وهو ما يعني استمرار الصراعات دون أُفق. أما السيناريو الآخر فهو حدوث انقلاب عسكري من داخل الجيش ضد آبي أحمد، بوصفه خطوة استباقية للحفاظ على النظام وفتح باب المفاوضات الجدية ومنع انزلاق البلاد إلى الفوضى أكثر من ذلك. بيد أن ذلك السيناريو يُقابَل بالتشكيك، لأن الجيش نفسه منقسم من الداخل، والأهم أنه فعليا غير قادر على هزيمة المتمردين حتى اللحظة، وسبق له الانسحاب بطريقة مهينة من أمامهم، ومن ثمَّ لا يزال الطرفان على قناعة بأن ساحة المعركة بوسعها أن تمنحهما تقدُّما يعزز موقعهما التفاوضي فيما بعد.

 

بعد أقل من ثلاث سنوات إذن على الشروع في الإصلاحات الديمقراطية التي بدأها آبي أحمد الحاصل على جائزة نوبل في السلام، يجد رئيس الوزراء الإثيوبي نفسه في خضم حرب أهلية لجأ فيها إلى أدوات القسر أكثر مما لجأ إلى التسوية والوساطة التي ذاع صيته بسببها. قد يُمهِّد فشل آبي أحمد الطريق لظهور جيل جديد يسعى للانقضاض على الجيل الحالي، فبعد عقود من الاستبداد في إثيوبيا، وسيطرة طائفة دون غيرها على السلطة، واندلاع مظاهرات أفضت إلى مقتل المئات واعتقال الآلاف، وصل آبي أحمد إلى السلطة باعتباره أحد قادة الجيل الجديد الساعين لإنهاء الحكم السابق. بيد أن فشل الرجل في إنهاء التناحر الطائفي وتحول إلى وجه مُستبد لقومية دون غيرها مجددا في بلد متعدد الإثنيات، ومن ثمَّ قد يكون فشل حكومته إيذانا بتبلور نظام فيدرالي أقدر على تمثيل القوميات والمصالح المُتنوعة في إثيوبيا.

علي العمري

محرر وكاتب أخبار في صحيفة "موقعي نت"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى