هل تنفذ مصر مطالب الصندوق المصاحبة للقرض الأخير؟ | آراء


حدد صندوق النقد الدولي مطالبه من الحكومة المصرية المصاحبة لموافقته على إقراضها 3 مليارات دولار في 16 من الشهر الحالي، وهو القرض الذي سيتم على 8 أقساط مرتبطة بالتأكد من تنفيذ تلك المطالب من خلال زيارات لبعثات من الصندوق كل 6 أشهر، وعزز الصندوق ذلك بربطه موافقته على الطلب المصري بالاقتراض من صندوق الصلابة والاستدامة التابع له بنتائج تلك المراجعات الدورية القادمة لتنفيذ مطالبه.

تمثلت تلك المطالب في:

  1. التحول الدائم إلى نظام سعر الصرف المرن وإعادة بناء الاحتياطيات من العملات الأجنبية.
  2. تنفيذ سياسة نقدية تهدف إلى تخفيض معدلات التضخم تدريجيا، وإلغاء دعم برامج الإقراض.
  3. الضبط المالي وضمان تراجع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي وزيادة الإنفاق الاجتماعي.
  4. إجراء إصلاحات هيكلية واسعة لتقليص بصمة الدولة وضمان المنافسة العادلة بين جميع الكيانات الاقتصادية وتسهيل تحقيق النمو بقيادة القطاع الخاص وتعزيز الحوكمة والشفافية في القطاع العام.

ويظل السؤال هل تستطيع الحكومة المصرية تنفيذ تلك المطالب؟ التي سبق ذكرها في اتفاق مصر مع الصندوق عام 2016 ولم يتحقق معظمها، بل إن معظم تلك المطالب كان متضمنا بالبيانات الصادرة عقب المشاورات السنوية مع مصر خلال السنوات العشر الماضية.

نظام سعر الصرف المرن

حرص الصندوق على تعبير التحول الدائم لنظام سعر الصرف المرن في ظل قيام البنك المركزي المصري خلال السنوات الماضية بإجراء خفض ملموس لسعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار، ثم ترك الجنيه ينخفض لأشهر قليلة بشكل محدود ثم القيام بما يشبه تثبيت سعر الصرف بالتحديد الإداري له، بصرف النظر عن الأحداث الدولية والمحلية المؤثرة على العلاقة بين الجنيه المصري والدولار، حتى أن سعر الصرف ظل شبه ثابت عند خروج الأموال الساخنة من مصر خلال الشهور الأولى من العام الحالي وكأنه يقدم مكافأة لهم.

بعد قيام المركزي بإجراء خفض بنسبة 16% في 21 مارس/آذار الماضي، خفف ذلك كثيرا من نسبة الخفض لاحقا، لتصل نسبة الخفض إلى 8% حتى قيامه بالخفض الثاني الملموس في 27 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي بنسبة 16%، وكرر الأمر بخفض محدود لسعر صرف الجنيه لبضعة أيام ثم العودة إلى ما يشبه التثبيت بالخفض لبضعة مليمات يوميا رغم الفارق الكبير بين السعر الرسمي والسعر بالسوق الموازية، ليتشابه أسلوب المحافظ الجديد مع المحافظ السابق رغم إعلان المحافظ الحالي التزامه بسعر الصرف المرن قبل أقل من شهرين.

قد يعطي البعض للمحافظ مبرر نكوصه عن السعر المرن بعد أيام قليلة من إعلان تطبيقه لوجود عجز دولاري بالبنك المركزي بلغ 9 مليارات دولار وعجز بالبنوك الأخرى العاملة بالبلاد بلغ 13.8 مليار دولار بنهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وبالتالي فليس لديه رصيد كاف للدفاع به عن سعر الصرف الرسمي أو التدخل للإفراج عن السلع المحجوزة بالموانئ لعدم وجود دولارات لدى البنوك للإفراج عنها منذ فبراير/ شباط الماضي.

كما أن يده مغلولة تجاه استخدام الاحتياطي من العملات الأجنبية البالغ حوالي 33 مليار دولار، سواء من جانب صندوق النقد الدولي الذي طلب الاحتفاظ به أو لحرصه على عدم الانكشاف دوليا، خاصة أن هذا الاحتياطي غير مملوك للبنك المركزي وتكون من الاقتراض الخارجي، خاصة من ودائع دول الخليج العربي التي بلغت أرصدة دينها الخارجي لمصر طويل وقصير الأجل بمنتصف العام الحالي 35.5 مليار دولار، أي أكثر من الاحتياطيات.

من هنا فلا سبيل لاتباع سياسة سعر الصرف المرن قبل سد فجوة العملات الأجنبية بالجهاز المصرفي وعلاج مشكلة تكدس البضائع بالموانئ، والاستجابة لطلبات تمويل الواردات المؤجلة، وهو أمر يحتاج عدة شهور حتى تصل الأموال التي كشف عنها الصندوق قبل أيام البالغة 14 مليار دولار من شركاء دوليين وإقليمين حتى نهاية العام المالي الحالي الذي ينتهى آخر يونيو/حزيران المقبل.

حتى عندما يتم اتباع سياسة سعر الصرف المرن فسوف تكون مرونة جزئية وليست كاملة وتشبه سعر الصرف المُدار، حيث لا تستطيع مصر اتباع سياسة التعويم الكامل للعملة لقلة الاحتياطيات لديها وكبر قيمة الديون الخارجية البالغة 156 مليار دولار حتى منتصف العام الحالي، والعجز المزمن بالميزان التجاري الذي بلغ 43 مليار دولار، والعجز المستمر منذ سنوات بميزان المعاملات الجارية الذي بلغ 16.6 مليار دولار بالعام المالي الأخير 2021/2022.

سياسة نقدية تخفض التضخم

من أدبيات الصندوق نصيحته للدول برفع سعر الفائدة لمواجهة التضخم استنادا إلى تصور أن سعر الفائدة المرتفع على العملة الوطنية سيجذب الأموال من أيدي الجمهور للإيداع بالبنوك، مما يقلل السيولة في أيدي الجمهور فتقل معدلات الطلب على السلع والخدمات فتهدأ الأسعار، لكن محافظ البنك المركزي الحالي تولى منصبه في أغسطس/آب الماضي في أجواء استمرار زيادة الفائدة الأميركية ومجاراة العديد من البنوك المركزية لها بالرفع.

استمر المحافظ لبعض الوقت في تثبيت سعر الفائدة مبررا ذلك بأن التضخم المصري سببه صدمات العرض وليس ناتجا من الطلب، أي أن أسبابه تعود للتضخم المستورد بسبب ارتفاع الأسعار العالمية للطاقة والغذاء، بينما تعاني الأسواق المصرية من ركود مستمر خلال العامين السابقين مما قلل الطلب بشكل ملحوظ، لكنه رضخ بعد ذلك لطلب الصندوق وقام برفع الفائدة بنسبة 2% حتى يتم إعلان الاتفاق مع الصندوق على مستوى الخبراء في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

من المتوقع أن يستجيب المحافظ لمطلب الصندوق خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية بنهاية الأسبوع الحالي، لكنه قد يزيد النسبة بقدر محدود نظرا لما يسببه رفع الفائدة من ضرر بالمنتجين الذين تم وقف الإقراض المدعم لهم مؤخرا بناء على طلب الصندوق، والذين يعانون من انخفاض تكلفة التمويل لدى المنافسين لهم بالأسواق الدولية.

بالإضافة إلى ما يعانونه من مشاكل صعوبة تدبير الدولار والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج، مما يقلل من تنافسية الصادرات المصرية في وقت تحتاج فيه البلاد لموارد دولارية بشدة لسداد أقساط وفوائد الديون الخارجية وتمويل الواردات الحكومية الضرورية من الوقود والسلع الغذائية كما أن رفع الفائدة يزيد من تكلفة الدين بالموازنة الحكومية المصابة بالعجز المزمن وهي الموازنة التي تولت علاج حقوق الملكية بالبنوك المركزي حتى لا تتحول إلى سالبة خلال آخر عامين ماليين.

الضبط المالي بالموازنة الحكومية

يكاد يكون ملف خفض المصروفات بالموازنة هو الملف الأبرز الذي شهد استجابة لمطالب الصندوق بذلك منذ عام 2016، من خلال خفض فاتورة الأجور بالموازنة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بوقف التعيين بالحكومة، ومع ضغوط نقص المدرسين بالمدارس والاتجاه لتعيين 30 ألف مدرس سنويا لمدة 5 سنوات مؤخرا وتعيين عدد أقل بالقطاع الطبي، فإن هذا العدد بالتعليم والصحة لا يقارن بمتوسط الخارجين للتقاعد سنويا البالغ حوالي 200 ألف شخص، كما أن أجور الخارجين للتقاعد تكون عادة أكبر كثيرا من أجور الملتحقين الجدد بالعمل.

كذلك كان التوجه لخفض الدعم الغذائي من خلال وسائل متعددة بوضع حد أقصى 4 أفراد للبطاقة التموينية المستفيدة من الدعم الغذائي، وتعديل أسعار المواد التموينية حسب المتغيرات العالمية لأسعارها بالبطاقة التموينية، بما يقلل الكميات المنصرفة منها كما حدث مع الزيت والسكر وغيرها، إلى جانب تحديد الفئات المستفيدة من دعم البطاقات التموينية لتقليل عدد المستفيدين.

مع الضغط الجماهيري للتمسك بسعر الخبز المدعم فقد لجأت الحكومة لوسائل غير مباشرة لخفض دعم الخبز من خلال خفض وزن الرغيف أكثر من مرة، ثم زيادة نسبة خلط الردة بالدقيق لخفض التكلفة، وتكرر ذلك مع دعم تذاكر قطارات السكة الحديدية بخفض أعداد المستفيدين، وحتى مع دعم المصدرين فقد تم خصم نسبة 7% منه بمبرر الصرف العاجل للمستحقات المتأخرة لـ4 سنوات، مع إلغاء مبادرة تمويل الصناعة والزراعة والمقاولات بسعر فائدة مدعم مؤخرا، ونقل باقي المبادرات خارج البنك المركزي مع رفع فائدة القروض للسياحة.

أما زيادة الإنفاق الاجتماعي فهو يتم ببطء ويقتصر على بعض برامج الحماية الاجتماعية وليس سعيا نحو تحقيق العدالة الاجتماعية، ولا نتصور أن يتم ما طلبه الصندوق لإضافة 5 ملايين أسرة لبرنامج تكافل وكرامة الخاص بكبار السن غير القادرين على العمل والمعاقين خلال وقت قصير، حيث يدور معدل الزيادة السنوية بالبرنامج بحوالي 300 ألف أسرة، رغم الخطوات التي تتخذها وزارة المالية بمجال زيادة الإيرادات بتوسيع القاعدة الضريبية من خلال فرض الفاتورة الإلكترونية الضريبية بين الشركات ودخولها حاليا مرحلة فرض الإيصال الإلكتروني بين الشركات والمستهلكين والسعي لإضافة شريحة لضرائب الدخل بنسبة 27.5%.

تقليص دور الدولة بالاقتصاد

يظل تقليص دور الدولة بالاقتصاد هو الملف الأكثر صعوبة لدى الحكومة المصرية في ظل اعتماد الحاكم على الشركات التابعة للجهات التابعة للجيش في المشروعات المسماة بالقومية، بزعم انضباطها والتزامها بالمواعيد، وهو أمر لم يثبت على المستوى العملي، مع تمسك شركات الجيش بالمزايا التي تتمتع بها من إعفاءات ضريبية وجمركية وتخصيص للأراضي التي كانت سببا في طلب رجال الأعمال خلال المؤتمر الاقتصادي الأخير بتحقيق العدالة التنافسية.

من شواهد ذلك التأخر في إصدار وثيقة ملكية الدولة التي وعد رئيس الوزراء بصدورها قبل نهاية مايو / أيار الماضي، والتي ستقلص دور الدولة بالاقتصاد، وحتى بعد صدورها لا توجد ضمانات للالتزام بها رغم التصريح بإعطاء القطاع الخاص نصيبا من الاستثمار بنحو 10 مليارات دولار سنويا، فقد أثبتت الشواهد العملية أن المقصود هو القطاع الخاص الأجنبي والعربي بشرائه حصصا من الشركات المصرية العامة الرابحة، بينما أقر رئيس الوزراء مؤخرا بأن القطاع الخاص المصري يكافح من أجل البقاء.

وتكررت وعود طرح بعض الشركات التابعة للجيش بالبورصة، أو طرحها للبيع لمستثمر إستراتيجي منذ سنوات، إلا أن الأمر لم يتحول بعد إلى خطوات تنفيذية، بينما يستمر تأسيس شركات جديدة تابعة للجيش مثل مشروع الرمال السوداء، وأخرى تابعة لجهات عامة كما يحدث بإشراك جهات حكومية بمشروعات الهيدروجين الأخضر، وبقطاع النقل والمواصلات منها تأسيس شركة لإدارة مشروع الأوتوبيس الترددي بالطريق الدائري.

علي العمري

محرر وكاتب أخبار في صحيفة "موقعي نت"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى